أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

19

شرح مقامات الحريري

سقتني الرّياح وهي خدّاها * بأكؤس السّحر وهي عيناها إذا أرادت مزاجها جعلت * بآخر اللحظ من فمي فاها فيا لها قهوة معتّقة * وليس إلا الخدود مأواها حبابها الثغر حين تمزج لي * ونقلها اللّثم حين أسقاها * * * [ ذكر بابل ] وبابل مدينة كان ينزلها ملوك العجم ، وهي دار نمروذ بن كنعان ، وكانت بابل ، من استعظامها واستبشاع أمرها ، لا تكاد تحصل ، وأسسها نمروذ ، وكانت مدينة ضاحكة المنظر ، زاهية البناء ، واسعة الفناء ، جمعت إلى حسن المنظر رصافة البنيان وبهاء المنصب ، فكانت سهلة بطحاء مربعة ، في كل تربيع حصنان عظيمان ، وسورها لا يكاد سامع خبره يصدقه ، كان عرضه خمسين ذراعا ، في ارتفاع مائتي ذراع ، في دور أربعة وستين ميلا ، وحوله خندق يجري فيه الفرات ، وفيها مائة باب نحاس . وهي أقدم بناء بني بعد الطوفان ، ونسب السّحر لها لأن بها هاروت وماروت معلمي السّحر ، فكان يعجبان من بني آدم حيث يعصون اللّه تعالى على إنعامه عليهم ، فابتلاهما اللّه تعالى فسلط عليهما الشّهوة الآدمية ، وحرم عليهما القتل والزنا والخمر ؛ وأنزلهما إلى الأرض للحكم بين أهلها ، فجاءتهما الزّهرة في خصام ، فوقعت في قلوبهما ، فشكا كلّ واحد منهما لصاحبه ما يجده من حبّها ، فأرسلا إليها ، فراوداها فأبت حتى يعلماها الاسم الذي يرجعان به إلى السماء ، فأبيا عليها ، قالت لهما : فاشربا الخمر ، فشرباها فسكرا وعلّماها الاسم ، وواقعاها ، ثم خرجا فوجدا رجلا ، فظنّا أنه ظهر على أمرهما فقتلاه ، وتكلمت الزهرة الاسم الذي يرجعان به إلى السماء فرفعت ومسخت كوكبا وخيّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا ، فهما يعذبان ببابل ، ويعلمان السحر . وجاءت امرأة إلى عائشة رضي اللّه عنها ، فقالت : يا أم المؤمنين ، قالت لي امرأة : هل لك أن أعلّمك شيئا يصرف وجه زوجك إليك ! فأتت بتيسين ، فركبت واحدا ، وركبت الآخر ، وسرنا ما شاء اللّه فقالت : أتدرين أنك ببابل ؟ ودخلت على رجلين ، فقالا لي : بولي على ذلك الرماد ، فذهبت ولم أبل ، ورجعت فقالا لي : ما رأيت ؟ فقلت : ما رأيت شيئا ، قالا : أنت على رأس أمرك ، فرجعت فتشدّدت وبلت ؛ فخرج مثل الفارس المقنع ، فصعد في السماء ، فقالا لي : ما رأيت ؟ فأخبرتهما ، فقالا لي : ذلك إيمانك فارقك ، فخرجت إلى المرأة ، فقلت لها : واللّه ما علّماني شيئا ، ولا قالا لي كيف أصنع ، فقالت : فما رأيت ؟ قلت : كذا وكذا ، فقال : أنت أسحر العرب ، اعمليه ، فقطعت جداول ، فإذا